نبيل أحمد صقر

203

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )

« ذكر " و الْخُرْطُومِ " أريد به الأنف . والظاهر أن حقيقة الخرطوم الأنف المستطيل كأنف الفيل والخنزير ونحوهما من كل أنف مستطيل ، وقد خلط أصحاب اللغة في ذكر معانيه خلطا لم تتبين منه حقيقته من مجازه . وذكر الزمخشري في الأساس معانيه المجازية ولم يذكر معناه الحقيقي ، وانبهم كلامه في الكشاف إلا أن قوله فيه : وفي لفظ الخرطوم استخفاف وإهانة ، تقتضى أن إطلاقه على أنف الإنسان مجاز مرسل . وجزم ابن عطية أن حقيقة الخرطوم مخطم السبع ، أي أنف مثل الأسد ، فإطلاق الخرطوم على أنف الإنسان هنا استعارة كإطلاق المشفر وهو شفة البعير على شفة الإنسان ، في قول الفرزدق : فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي * ولكن زنجي غليظ المشافر » « 1 » وينتقد ابن عاشور هنا أصحاب اللغة لخلطهم في ذكر معنى " الخرطوم " حتى لم تتبين الحقيقة أو المجاز من كلامهم ، كما أنه يحمل على الزمخشري أنه ذكر معانيه المجازية فقط ، وما أورده من هذه المعاني كان مبهما ، وقوله في هذه المعاني ومنها معنى " الْخُرْطُومِ " فيه استخفاف وإهانة ، ويدل في نهاية الأمر أنه مجاز مرسل ، وما جزم به ابن عطية أنه أنف مثل أنف الأسد ، وعلى ذلك حين يطلق على أنف الإنسان هنا فهو استعارة كما يطلق المشفر " شفة البعير " على شفة الإنسان حين يسخر منه أو يذم ، وذهب ابن عاشور في تأييد ذلك بقول الفرزدق . وذكر في تفسير قوله تعالى : قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ * قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( سورة الشعراء : الآية 23 ، 24 ) .

--> ( 1 ) التحرير والتنوير ، ج 29 ، ص 77 .